التكيف الشرعي والقانوي للرقابة الشرعية
الفصل الثاني:التكيف الشرعي والقانوي للرقابة:
المبحث الأول: حكم الرقابة الشرعية في الفقه:
إن التزام المصارف الإسلامية بأحكام وقواعد ومقاصد الشريعة الإسلامية
أمر واجب شرعاً، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولو تحقق التزام المصارف الإسلامية بأحكام وقواعد ومقاصد الشريعة الإسلامية من خلال الرقابة الذاتية للقائمين على هذه المصارف، تبقي الرقابة الشرعية على أصل المشروعية، وذلك للأدلة التالية:
إن مجموعة النصوص الشرعية التي ورد فيها الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة، ومن هذه النصوص ما يلي:
1. قوله تعالى:"(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).(سورة آل عمران الآية 104)
2. قوله سبحانه وتعالي:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" (سورة آل عمران الآية 110)
3. قوله صل الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"([1]).
فهذه النصوص جاءت تحث على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيدخل في عمومها النهي عن كل منكر، سواء تعلق ذلك المنكر بالعبادات أو المعاملات أو غيرها ولا شك أن عدم الالتزام بالضوابط الشرعية للمعاملات المصرفية هو من المنكرات التي يتجه النهي عنها، وإن الالتزام بهذه الضوابط هو من المعروف الذي يجب الأمر به.([2])
[1] مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، و أن الإيمان يزيد و ينقص، و أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي. ح 48. 1/69.
[2] ريان، حسين راتب يوسف،: الرقابة المالية في الفقه الإسلامي. ط/1. عمان: دار النفائس 1419هـ/1999م، ص 187-188، الصلاحين، عبد المجيد محمود: هيئات الفتوى و الرقابة الشرعية و دورها في المصارف الإسلامية، المؤتمر العلمى الرابع عشر (المؤسسات المالية الإسلامية: معالم الواقع و آفاق المستقبل)، كلية الشريعة و القانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، موقع مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية على شبكة (الانترنت) www.kantakji.org/fiqh/files/Banks/1.swf.
إن النصوص الآمرة برعاية الأمانة، والمحافظة عليها، تشمل في عمومها الرقابة الشرعية، من حيث أن الله سبحانه وتعالى قد ائتمن العلماء على القيام بشرع الله عز وجل، ولا شك أن تصويب المعاملات المالية المصرفية بحيث تكون منسجمة مع أمر الله سبحانه وتعالى ومشتقه من هدي رسوله صلي الله عليه وسلم ،وهو ما ائتمن الله سبحانه وتعالي العلماء عليه، كما ان هؤلاء العلماء مؤتمنون من قبل المساهمين والمودعين في المصارف الإسلامية على أن تكون معاملات هذه المصارف متوافقة وأحكام الشريعة الإسلامية، وأن التفريط في ذلك يعد خيانة للأمانة ([1]).
أن عمل الهيئة الشرعية يكتسب مشروعيته من خلال عرضه على النصوص الشرعية العامة وإخضاعه لقواعد الفقه الكلية، والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية([2]). فالتكاليف الشرعية ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، والمقاصد لا تعدو ثلاثة اقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
فأما الضروريات فهي: ما لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة و النعيم، فالعبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، و العادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضاً.
وأما الحاجيات فهي: المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى المشقة اللاحقة بفوت المطلوب. فإذا لم تراع وقع المكلفون في الحرج والمشقة.
وأما التحسينات: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، ويجمعها مكارم الأخلاق.([3])
المبحث الثاني: التكييف القانوني للرقابة الشرعية:
كثيراً ما تنص المؤسسات المالية الإسلامية عند إنشائها على ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وعلى ضرورة وجود رقابة شرعية. ومن المؤسسات ما تقتصر على النص فقط بالالتزام بالأحكام الشرعية.
كما تم النص في قوانين بعض الدول على وجود هيئة رقابة شرعية في كل مؤسسة مالية إسلامية، وتم النص في قوانين بعض الدول على وجود هيئة رقابة شرعية على مستوى الدولة، وقد أنشاء الاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية هيئة عليا على المستوى العالمى.[4]) فيما يلي تفصيل ذلك مع الأمثلة:
[1] الصلاحين، عبد المجيد: هيئات الفتوى و الرقابة الشرعية و دورها في المصارف الإسلامية (الانترنت).
[2] المرجع السابق.
[3] الشاطبي، ابو إسحاق إبراهيم بن موسي: الموافقات في اصول الشريعة، القاهرة: المكتبة التوفيقية 2003م. مج1. 2/6-9.
[4] داود، حسن: الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية. ص 17-21. السعد، أحمد: الرقابة الشرعية و أثرها في المصارف الإسمية (الانترنت).
المطلب الأول : النص على الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية :
نصت بعض المؤسسات في نظامها الأساسي أو في عقد تاسيسها او في قانون إنشائها على وجوب الإلتزام بأحكام الشريعة الإسلامية دون الإشارة إلى الأسلوب أو الطريق الذي يحقق هذا الالتزام. وهو وجود هيئة رقابة شرعية تحرص على تفعيل هذا النص وتطبيقه، وكان من الواجب وجود الرقابة الشرعية لأنها تؤدي إلى الاطمئنان على عمل هذه المؤسسة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ، وبالتالى يزيد ذلك من الثقة عند الناس.[1]
المطلب الثاني: النص على وجود مراقب أو مستشار شرعي أو هيئة رقابة شرعية:
و من الأمثلة على ذلك بنك فيصل الإسلامي المصري حيث جاء في قانون إنشائه ما يلي: تشكل هيئة للرقابة الشرعية تتولي مطابقة معاملاته لأحكام الشريعة الإسلامية ويحدد النظام الأساسي للبنك كيفية تشكيلها وممارستها لعملها واختصاصاتها الأخرى.([2])
المطلب الثالث: النص على وجود هيئة رقابة شرعية في كل مصرف إسلامي:
نصت قوانين بعض الدول على وجود هيئة رقابة شرعية في كل مصرف إسلامي، فقد نصت المادة السادسة من القانون الاتحادى رقم (6) لسنة 1985م في دولة الإمارات العربية المتحدة على ما يلى: يتعين النص في عقد تأسيس المصرف أو المؤسسة المالية او الشركة الاستثمارية الإسلامية وفي النظام الأساسي لكل منها على تشكيل هيئة للرقابة الشرعية لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة تتولى مطابقة معاملاتها وتصرفاتها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ويحدد النظام الأساسي لكل منها كيفية تشكيل هذه الهيئة وأسلوب ممارستها لعملها واختصاصاتها الأخرى. وتعرض اسماء هيئة الرقابة الشرعية على الهيئة العليا المنصوص عليها في المادة السابقة لإجازتها قبل صدور قرار التشكيل.([3])
وقد نص البند الأول من المادة 75 من قانون المصارف رقم (2) لسنة 2002م في فلسطين على ما يلي: يلتزم المصرف الإسلامي بتعيين هيئة رقابية شرعية، قبل مباشرته لأعماله، لا يقل عدد أفرادها عن ثلاثة أشخاص ويكون رأيها ملزماً في جميع نشاطاته.([4])
المطلب الرابع: النص على وجود هيئة رقابة شرعية على مستوى الدولة:
[1] - داود، حسن: الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية. ص 17-21. السعد، أحمد: الرقابة الشرعية و أثرها في المصارف الإسلامية (الانترنت).
[2] المرجعين السابقين.
[3] موقع مجموعة عرب للقانون على شبكة (الانترنت). www.arablaw.org/Download/Islamic_Banks_UAE.doc
[4] قانون المصارف. موقع سلطة النقد الفلسطينية على شبكة (الانترنت) www.pma-plaestine.org/arabic/law/law.html
يعتبر السودان من الدول المتقدمه في تشكيل هيئة عليا للرقابة الشرعية على مستوى الدولة، حيث أنه وبالاعتماد على أحكام المادة الثامنة من قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991م، وتمشياً مع القرارات الصادرة بإلغاء الصيغ الربوية في معاملات الدولة المالية والاقتصادية وفي إطار أسلمة النظام المصرفي وإزالة كل أشكال المعاملات الربوية في المعاملات المالية في بنك السودان والمصارف والمؤسسات المالية التي تمارس أعمالاً مصرفية. أصدر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي بالتشاور مع محافظ بنك السودان قرار إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في 2 مارس 1992م.([1])
المطلب الخامس: النص على وجود هيئة رقابة شرعية عليا على المستوى العالمي:
تتضمن اتفاقية إنشاء الاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية في الباب الرابع، الهيكل التنظيمي للاتحاد وتوضح الأجهزة الأساسية للاتحاد، ومنها هيئة الرقابة الشرعية العليا.
ووفقاً للمادة السادسة عشر من هذه الاتفاقية، تتألف هيئة الرقابة الشرعية العليا من رؤساء هيئات الرقابة الشرعية لكل بنك، ولمجلس إدارة الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية الحق في أن يضم إليها من يراه من الفقهاء و العلماء. ([2])
[1] وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، قرار وزارة رقم (184) لسنة 1992م بإنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية.
[2] حول اجتماع الهيئة للفتوى و الرقابة الشرعية. مجلة الاقتصاد الإسلامي. 20/1983م، ص 24-25.
المصرى، عبد السميع: المصرف الإسلامي علمياً و عملياً. ط/1. القاهرة: مكتبة وهبة 1408هـ/1988م. ص 99.
الرفاعي، فادي: المصارف الإسلامية. ص 185.

تعليقات
إرسال تعليق