مفهوم وأهمية الرقابة الشرعية
الفصل الأول
مفهوم وأهمية الرقابة الشرعية
المبحث الأول: مفهوم الرقابة الشرعية:
المطلب الأول: الرقابة لغةً واصطلاحاُ.
الفرع الأول: الرقابة لغةً:
إن استعمالات مادة (رقب) في اللغة كثيرة و متنوعة، إلا أن مردها إلى أصل واحد مطرد يدل على (انتصاب لمراعاة شيء)([1]).
و من أبرز الإطلاقات اللغوية لمادة (رقب) المعاني التالية:
رَقَبَهُ رِقْبَةً و رِقْباناً، بكسرِهما، ورُقُوباً، بالضمِّ، ورَقَابةً ورَقُوباً ورَقْبَةً ورَقْباً، بفتحِهِنَّ، وتَرَقَّبَهُ وارْتَقَبَه: انْتَظَرَهُ ورَصَدَهُ([2])، والرقيب: المنتظر، والترقب والارتقاب: الانتظار([3])، ومنه قوله تعالي حكاية عن نبي الله هارون عليه السلام:"أني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" (سورة طه الآية94). وقوله تعالي:"فأصبح في المدينة خائفاً يترقب" (سورة القصص الآية 18).
الفرع الثاني: الرقابة اصطلاحاً:
ورد أن الرقابة في الإصطلاح هي أحد عناصر أو وظائف الإدارة. التي هي:(التخطيط والتنظيم و التوجيه والتنسيق و الرقابة). ([4])
أما الرقابة في الإصطلاح القانوني، هي حق يخول لصاحبه سلطة إصدار القرارات اللازمة لإنجاح المشروعات وفق ضوابط معينة. كما قد تحمل معني الوصاية من جانب سلطة أعلي لفرض حدود وقيود تؤدي إلى أهداف التنظيم الإداري الذي يتطلبه المشروع.([5])
وهي وسيلة يمكن بواسطتها التأكد من مدي تحقق الأهداف بكفاية وفاعلية في الوقت المحدد([6]).
[1] -ابن فارس، أبو الحسين أحمد: معجم مقاييس اللغة. تحقيق و ضبط عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الكر 1399هـ-1979، مادة رقب: 2/427.
[2] -ابن منظور: لسان العرب، مادة رقب: 1/424، الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة. ط/6، بيروت، مؤسسة الرسالة 1419هـ-1998م، مادة رقب، ص 90، المعجم الوسيط. مادة رقب: 1/363.
[3]- ابن منظور، لسان العرب 1/424، الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، تحقيق محمود خاطر، بيروت، مكتبة لبنان 1415هـ-1995م، مادة رقب: ص 106.
[4]- مشعل، عد البارى: استراتيجية التدقيق الشرعي الخارجي: المفاهيم و آليات العمل، المؤتمر الرابع للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية (البحرين)، هيئة المحاسبة و المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية 2004م، ص 6.
[5] -الكفراوي، عوف محمود: النقود و المصارف في النظام الإسلامي، ط/2. الإسكندرية: دار الجامعات المصرية، ص 227.
[6] -الشوبكي، عمر: دراسات و أبحاث مبادئ الرقابة على أعمال الإدارة العامة في الاردن، عمان، معهد الإدارة العامة 1989م، ضص 31.
فالرقابة في علم الإدارة تهدف إلى مساعدة الإدارة في التأكد من إنجاز الأهداف المعتمدة، والحاجة إليها قائمة ما دام احتمال الخطأ في التنفيذ قائماً.([1])
ونلاحظ مما سبق أن الرقابة في الاصطلاح استخدمت ببعض معانيها اللغوية، ومن ذلك تُنصب الرقابة لمراعاة مدى تحقق الأهداف المطلوبة في المراقب.
الرقابة تحفظ و ترعى و تحرس المراقب. الرقابة تلاحظ و تترصد أخطاء المراقب، وتكون الرقابة في المراتب العليا في الجهة المراقبة.
المطلب الثاني: مفهوم الشرعية لغة واصطلاحاً:
الفرع الأول: الشرعية لغة:
الشرعية لغة: نسبة إلى الَّشرع والشَّريعة والشِّرْعة، وهي ألفاظ مترادفة في معناها الاصطلاحى وفي كثير من معانيها اللغوية، فالشَّرْع والشِّرْعة لغة: الطريق والمذهب المستقيم([2])، ومنه قوله تعالى:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. (سورة المائدة الآية 48). والبيان والإظهار([3])، ومورد الماء الذي يقصد للشرب([4])،
والشَّريعة لغة: المذهب والملة([5])، ومنه قوله تعالي:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" . (سورة الجاثية الآية 18)[1]- مشعل، عبد الباري: استراتيجية التدقيق الشرعي الخارجي، ص 6.
[2]- المعجم الوسيط: مادة شرع، ص 479.
[3]-الجرجاني، علي بن محمد بن علي: التعريفات، ط/1. بيروت: دار الكتاب العربي 1405هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ص 167.
[4]- الرازي: مختار الصحاح، مادة رقب: ص 141.
[5]- القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: تفسير القرطبي، ط/2، القاهرة: دار الشعب 1372هـ، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني 16/163.
الفرع الثاني: الشرعية اصطلاحاً:
الشرعية نسبة إلى الشريعة، والشريعة في الاصطلاح الشرعي: ما شرع الله لعباده من الدين([1])، أي من الأحكام المختلفة. وسميت هذه الأحكام شريعة لاستقامتها ولشبهها بمورد الماء لأن بها حياة النفوس والعقول، كما أن في مورد الماء حياة الأبدان([2]).
الشريعة الإسلامية في الاصطلاح الشرعي هي: الأحكام التي شرعها الله لعباده، سواء اكان تشريع هذه الأحكام بالقرآن أم بسنة النبي محمد صل الله عليه و سلم من قول أو فعل او تقرير([3]).
المطلب الثالث: مفهوم الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية:
عرفت الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية بعدة تعريفات منها:
1- أحد اجهزة المصرف الإسلامي التي تحميه من مخالفة احكام الشرع الإسلامي من خلال ممارساته لأعماله، وتقدم له الحلول الشرعية بما يضفي عليها الصبغة الشرعية.([4])
2- جميع العناصر والأنشطة الرقابية التي تستخدم للتأكد من مطابقة اعمال البنك الإسلامي للشريعة. ([5])
3- التحقق من تنفيذ الفتاوى الصادرة عن جهة الاختصاص، وايجاد البدائل والصيغ المشروعة للأعمال التي تخالف الأحكام الشرعية.([6])
4- توجيه نشاطات المصارف والمؤسسات والشركات ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية.([7])
[1] تفسير القرطبي، 16/163.
[2] زيدان، عبد الكريم: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ط/11، بغداد: مكتبة القدس، بيروت: مكتبة الرسالة، 1410هـ-1989م، ص 34.
[3] زيدان،عبد الكريم: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص 34، نقلاً عن: الفقه الإسلامي لمحمد يوسف موسي، ص 7.
[4] السعد، أحمد محمد: الرقابة الشرعية و أثرها في المصارف الإسلامية، المؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي، جامعة ام القرى 1425هـ، موقع صيد الفوائد على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
[5] أبو معمر، فارس محمود: أثر الرقابة الشرعية و استقلاليتها على معاملات البنك الإسلامي، مجلة الجامعة الإسلامية، غزة، مج 3، العدد الأول/شعبان 1415هـ-يناير 1996م، ص 13-14.
[6] زعير، محمود عبد الحكيم، دور الرقابة الشرعية في تطوير الأعمال المصرفية (الحلقة الثانية)، مجلة الاقتصاد الإسلامي، 187/1996م، ص 45.
[7] شويدح، أحمد ذياب: دور هيئة الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية في قطاع غزة، مجلة الجامعة الإسلامية، مج 11، 2/2003م، ص 7.
[1] القطان، محمد: الرقابة الشرعية في مؤسسات صناعة الخدمات المالية الإسلامية، ص 7.
[1] الخضيرى، محسن أحمد: البنوك الإسلامية، ط/3، 1999م، ص 296.
[1] هيئة المحاسبة و المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، معايير المحاسبة و المراجعة و الضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية، البحرين 1424-1425هـ/2003م-2004م، الضوابط ص 16.
. في هذا الوقت الذي تعقدت فيه الصور التجارية، و انتشرت أنواع جديدة من المعاملات التجارية كبطاقات الائتمان، والحسابات بأنواعها، والتجارة الالكترونية التي لا يوجد لها أحكام في أمهات المصادر الفقهية، وإن وجدت الأحكام فإن المصرفيين القائمين على النشاط المصرفي غير مؤهلين للكشف عنها بأنفسهم.
4. إن العمليات المصرفية في الاستثمار والتمويل بالذات تحتاج إلى رأي من هيئة الفتوى؛ نظراً لتميز هذه العمليات بالتغير و عدم التكرار مع كل حالة او عملية أو مشروع يموله المصرف.
5. إن وجود الرقابة الشرعية في المصرف يُعطي المصرف الصبغة الشرعية، كما يُعطى وجود الرقابة ارتياحاً لدى جمهور المتعاملين مع المصرف.
6. إن الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعمل فيها المصارف الإسلامية هي انظمة وضعية بعيدة كل البعد عن الإسلام، مما يجعل الحاجة ماسة لوجود رقابة شرعية تعمل على إنقاذ هذه المصارف من الغرق في مستنقع المحرمات.([1])
المطلب الثاني: أهمية الرقابة الذاتية:
تتعدد أنواع الرقابة في الإسلام فمنها ما يعرف بالرقابة العليا، وهي رقابة الله عز وجل على خلقه، قال تعالي:"إن الله كان عليكم رقيباً" (سورة النساء الآية 1)، ومنها رقابة الإنسان على الإنسان، وهي نظام الحسبة ورقابة الولاة والأئمة والمسئولين ورقابة ولاية المظالم (على الولاة)، ورقابة مجموع المسلمين أو الرقابة المجتمعة او الشعبية. ومنها رقابة الإنسان على نفسه وهي ما يعرف بالرقابة الذاتية.([2])
إذاً من المفروض أن يكون كل موظف في المصرف الإسلامي مراقباً شرعياً على نفسه في كل ما يقوم به من أعمال أو ما ينجزه من معاملات بعد أن ائتمنه الناس على أموالهم التى أودعوها في المصرف ليقوم المصرف باستثمارها وفقاً لأوجه الاستثمار الشرعية.
[1] حماد، حمزة عبد الكريم، الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، موقع إسلام أون لاين – الإسلام و قضايا العصر على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) www.islamonline.net/Health/Arabic/display.asp?hquestionID=11754.
[2] القطان، محمد أمين علي: الرقابة الشرعية في مؤسسات صناعة الخدمات المالية الإسلامية (دراسة شرعية تطبيقية)، ط/1، 1404هـ-2004م، ص 6.
[1] الخضيري، محسن: البنوك الإسلامية، ص 299-300.
فالرقابة الذاتية هي أهم أنواع الرقابة وأكثرها حيوية وضرورة، فالإنسان المراقب لذاته هو الذي تكون له وقاية ضد الانحراف وهو الذي تكون لديه المبادرة لتصحيحه ولمقاومة أي فساد يظهر في معاملات المصرف. ([1])
[1] الخضيري، محسن: البنوك الإسلامية، ص 299-300.

تعليقات
إرسال تعليق